| وثيقة كلينتون وثيقة كلينتون من الواضح أن وثيقة كلينتون الجديدة قد حملت شيئًا من التطور المحدود قياسًا بتفاهمات كامب ديفيد؛ وذلك لإغراء الطرف الفلسطيني بتجاوز المسألة الحساسة في الحرم القدسي. بيد أن أسئلة كثيرة لم تُجِب عليها الوثيقة خَشِي الطرف الفلسطيني من أن يجاب عليها لاحقًا حسب الهوى الإسرائيلي دون أن يكون هناك مجال للتغيير، لا سيما وأن الوثيقة تنص على إنهاء النزاع. ما يجب أن يشار إليه هنا هو أن كلينتون لم يقدم للمفاوضين وثيقة مكتوبة، وإنما قرأها عليهم قراءة وكتبوا نصها، فكانت المسائل على النحو التالي: الأرض: - ضم 94 - 96% من مناطق الضفة للدولة الفلسطينية. - يعوّض الجانب الفلسطيني بـ 1 - 3% بدل التي ستضمها إسرائيل، مع ممر آمن دائم بين الضفة والقطاع. - 80% من المستوطنين ينضمون إلى كتل استيطانية. الأمن: - التواجد الدولي هو مفتاح المسألة، والقوة الدولية ستراقب تنفيذ الاتفاقات. - يتم الانسحاب الإسرائيلي خلال 36 شهرًا. - تبقى نقاط عسكرية في غور الأردن لفترة أخرى. - وضع ثلاث محطات إنذار مبكر يُطرح موضوعها للنقاش بعد عشر سنوات. - ستحصل الدولة الفلسطينية على سيادة على المجال الجوي مع ترتيبات خاصة تستجيب للاحتياجات الإسرائيلية. - الدولة الفلسطينية تعرف "كدولة غير مسلحة". القدس: - كل ما هو عربي يكون فلسطينيًّا وكل ما هو يهودي يكون إسرائيليًّا، وهذا يسري أيضًا على البلدة القديمة. - يحثُّ الرئيس الطرفين على إعداد خارطة تضمن معظم التواصل الإقليمي للطرفين. - الحرم الشريف - جبل الهيكل: الفجوة لا تتناول الإدارة العملية بل الجوانب الرمزية للسيادة وإيجاد وسيلة تضمن احترام المعتقدات الدينية للطرفين. - يعلم الرئيس أن الطرفين تباحثا حول سبل حل مختلفة. وقال: بِوُدِّي أن أقترح بديلَيْن يُمأسسان رسميًّا الوضع العملي للسيطرة الفلسطينية على الحرم من خلال احترام معتقدات الشعب اليهودي. في كل واحدة من هذين البديلين توفر الرقابة الدولية الثقة المتبادلة: 1 - سيادة فلسطينية على الحرم، وسيادة إسرائيلية على حائط المبكى الغربي: أ - المنطقة المقدسة لليهود التي يعتبر المبكى جزءًا منها. و/أو ب - قدس الأقداس الذي يعتبر المبكى جزءًا منه. 2 - سيادة فلسطينية على الحرم وسيادة إسرائيلية على المبكى الغربي، وكذلك سيادة وظيفية مشتركة في موضوع الحفريات تحت الحرم أو خلف المبكى. كل حفريات تحتاج إلى موافقة متبادلة قبل البدء بها. اللاجئون: - تستعد إسرائيل للاعتراف بالمعاناة الأخلاقية والمادية للاجئين وضرورة المساعدة في حل المشكلة. - لجنة دولية تعالج التنفيذ: تعويضات، إعادة توطين، تأهيل.. إلخ. - الجانب الإسرائيلي لا يوافق على حق العودة إلى "إسرائيل"، وإنما إلى أراضي الدولة الفلسطينية حسب قدرتها الاستيطانية. نهاية الصراع: - يؤمن الرئيس أن الاتفاق يشير على نهاية الصراع، وتنفيذه يضع حدًّا لكل المطالب. وقد ينفذ بواسطة قرار من مجلس الأمن يشير إلى أن تنفيذ قراري 242 و338 ومن خلال الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين. - يؤمن الرئيس أن هذا إطار عادل لاتفاق دائم. وهو يمنح الفلسطينيين إمكانية اتخاذ قرار بشأن مستقبلهم في أراضيهم، ودولة ذات سيادة دائمة تحظى باعتراف الأسرة الدولية وتكون القدس عاصمتها، وسيادة على الحرم، وحياة جديدة للاجئين. - وهذا يمنح إسرائيل نهاية حقيقية للصراع - أمنًا حقيقيًّا - والاحتفاظ بالروابط الدينية المقدسة، واستيعاب 80% من المستوطنين في إسرائيل، واعترافًا بالقدس الأوسع مما كانت في التاريخ اليهودي كعاصمة لها. تحفظات فلسطينية لم يجد المفاوضون الفلسطينيون في الوثيقة اختلافًا عن كامب ديفيد حسبما أعلنوا، بيد أن تحفظاتهم كانت كثيرة عليها، وقد قاموا بتلخيصها في رسالة للأمريكان، والسبب حسبما أشير سابقًا هو الخوف من التفسير والتطبيق للخلاصات التي قدمها الرئيس الأمريكي. الرسالة الفلسطينية طويلة وفيها أسئلة كثيرة، بيد أن خلاصتها قد وضعت في مقدمة الرسالة التي قالت إن المقترحات الأمريكية من شأنها: 1 - تقسيم الدولة الفلسطينية إلى ثلاثة كنتونات منفصلة تصل بينها وتفصلها طرق للعرب فقط أو لليهود فقط، الأمر الذي سيهدد حيوية هذه الدولة. 2 - تقسيم القدس الفلسطينية إلى عدد من الجزر غير المتصلة ببعضها البعض أو ببقية فلسطين. 3 - إجبار الفلسطينيين على التنازل عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين. كما أن هذه المقترحات لا تقدم ترتيبات أمنية فاعلة بين فلسطين وإسرائيل، ولا تتناول عددًا من الأمور الأخرى ذات الأهمية للشعب الفلسطيني. إن العرض الأمريكي يبدو وكأنه يتجاوب مع المطالب الإسرائيلية بينما يتجاهل الحاجة الفلسطينية، وبالتحديد دولة قابلة للبقاء. لقد تمّت صياغة المقترح الأمريكي بعبارات عامة تفتقر في بعض الحالات إلى الوضوح والتفصيل بدورنا، فإننا نرى أن اتفاق الوضع الدائم هو ليس مجرد وثيقة تعلن مبادئ سياسية عامة، ولكنه بالأحرى اتفاق شامل يوضح التفاصيل والآليات والجداول الأمنية لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، ولكي يكون اتفاقًا ذا فاعلية، فلا بد من إسناده بضمانات تنفيذ دولية واضحة وفعالة، ونحن نعتقد أن اتفاقًا عامًّا وغامضًا في هذه المرحلة المتقدمة من العملية السلمية سيؤدي إلى آثار سلبية، إن هذه القناعة هي نتيجة تجربتنا السابقة مع الاتفاقات المبهمة، ومع تاريخ إسرائيل المتمثل بعدم احترام الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين. إن اتفاق الوضع الدائم يجب أن يكون اتفاقًا نهائيًّا بمعنى الكلمة، وليس اتفاقًا على استمرار التفاوض. في موضوع القدس الذي أفشل كامب ديفيد، أوضحت الرسالة أن المقترح الأمريكي "يعترف ضمنًا بالسيادة الإسرائيلية تحت الحرم، حين يلمح أن لإسرائيل الحق بالحفر خلف الحائط (وهي المنطقة الواقعة تحت الحرم).. كما أن مصطلح الحائط الغربي يمتد إلى مناطق تتعدى حائط المبكى لتضم النفق الذي فتحه نتنياهو عام 1996". إسرائيل تهدد الموقف الإسرائيلي من مقترحات كلينتون حمل بعض التحفظات، غير أن باراك أعلن أنه يمكن أن يوافق عليها إذا وافق عرفات، وهو ما لم يحدث بالطبع. بيد أن ذلك لم يَحُل دون ظهور اعتراضات من داخل الأروقة الإسرائيلية على الوثيقة كان أهمها تلك التي قدمها شاؤول موفاز رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، وآفي ديختر رئيس جهاز الشاباك، وقد ركزت تلك الاعتراضات على المطالب الأمنية التي حملتها المقترحات. ثمَّة أكثر من تفسير لقبول باراك بالمقترحات الأمريكية على رغم بعض التحفظات عليها، ولعل التفسير الأول هو حاجة الجنرال إلى إنجاز الاتفاق سريعًا، بوصفه سفينة النجاة بالنسبة إليه في مواجهته مع قائد الليكود شارون، بيد أن باراك يرفض هذا التفسير معتبرًا أنه لن يضحي بمصالح الدولة من أجل الفوز في الانتخابات. هذا القول يبدو صحيحًا إلى حد كبير، فباراك بما تحمله حكومته من تناقضات وبرلمانه كذلك، إلى جانب ضرورة الاستفتاء على الاتفاق يظل عاجزًا عن تمرير اتفاق غير مقبول للشارع الإسرائيلي وأحزابه أو أغلبها على الأقل. ومن هنا، يمكن القول إن باراك قد رأى في المقترحات الأمريكية مقدمة لاتفاق معقول سيتضمن إنهاء النزاع مع الفلسطينيين والوضع العربي. خصوصًا وأن نُذُر الحرب حسب رأيه تلوح في الأفق، وهو ما دعاه إلى نشر تقديرات جهاز الاستخبارات الإسرائيلي حول احتمالات الحرب ودعمها بتصريحات متوالية له تحذر الناخب الإسرائيلي بأن الخيار أمامه هو "إما باراك وإما الحرب". وزاد على ذلك بأن دعا جنرالات الجيش للاستعداد الشامل للحرب المحتملة! جهاز الاستخبارات الإسرائيلي كان حاسمًا في إعلانه أن "مفتاح الحرب والسلام في الشرق الأوسط موجود بيد الفلسطينيين"، وأن الأمر مرهون بالاتفاق معهم، موضحًا أنه "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريبًا فإن الصراع الفلسطيني سيتصاعد، وحينها سينضم إلى القتال حزب الله، السوريون، لبنان، وفي أعقابهم العراق وربما إيران، وفي مثل هذا الوضع سيجد قادة مصر والأردن أنفسهم تحت ضغط الشارع المحلي ولن يستطيعوا الوقوف جانبًا". الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قدمت تقديرًا متشائمًا للوضع المحيط بإسرائيل، وهي تقدمه عمليًّا لشارع إسرائيلي مُترهِّل، وجيش يعيش أوضاعًا صعبة حسبما يقول المحللون الإسرائيليون، وذلك في محاولة واضحة من باراك إلى دفع الشارع الإسرائيلي إلى قبول الاتفاق القادم وعدم التصويت لشارون. تقول الاستخبارات الإسرائيلية في تقديرها المذكور: "في العام الأخير تغير الوضع بصورة جذرية. المسيرة السياسية مع سوريا وصلت إلى طريق مسدود، ومع الفلسطينيين يجري قتال مشحون بدوافع دينية وقومية يحرِّض الشرق الأوسط، وفي إيران تتطور سريعًا قدرات نووية وصاروخية من شأنها أن تكون عملية بعد 3 - 4 سنوات. وتقود إيران الآن جهداً دوليًّا لتنفيذ عمليات إرهابية إستراتيجية صعبة ضد إسرائيل. والعراق يتنصل وبسرعة من العقوبات والرقابة الدولية ويجدد قدراته غير التقليدية. وينتظر صدَّام فرصة الانضمام إلى المواجهة ضد إسرائيل. ومن ناحيته فهذه الطريق الأقصر للعودة إلى العالم العربي واختراق باقي العقوبات. وفي سوريا ثمَّة شبكة صواريخ أرض - أرض تهدد الأراضي الإسرائيلية كلها، وجدَّد بشار الأسد مؤخرًا علاقاته مع العراق وإيران. وإذا لم يكف ذلك فقط أضيف مؤخرًا أيضًا التهديد الإستراتيجي من الأراضي اللبنانية: شبكة كاتيوشا وصواريخ قصيرة المدى "فاجر - 5 بمدى 70كم" أقامها حزب الله بمساعدة إيران بعد انسحاب الجيش من لبنان ويهدد المنطقة الشمالية. وحسب تقديرات رئيس شعبة الاستخبارات فإن هذا التهديد "أخطر" من خطر الصواريخ العراقية في حرب الخليج". |